صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
290
شرح أصول الكافي
إذا تمهدت هذه المعاني فنقول : ذكر عليه السلام في هذا الحديث عدة من أسماء اللّه تعالى الموهمة للتشبيه ليبين الفرق والاختلاف بينها بحسب المعنى في الموضعين اي بين ما سمى به الخالق وبين ما سمى به الخلائق ، فذكر عليه السلام أولا صفة القدم فقال : انه تعالى قديم والقدم صفة التي دلت العاقل على أنه لا شيء قبله ولا شيء معه في ديموميته ، يعني ان العاقل إذا نظر في هذه الصفة يستدل منها على أن اطلاقها عليه تعالى ليس بالمعنى المقارن للزمان يعني القدم الزماني بل بمعنى اخر ، فان القدم له معنيان . أحدهما زماني وهو ان لا يكون لزمان وجوده ابتداء ، واللّه تعالى برئ عن مقارنة الزمان والتغير والتقدر بالمقدار سواء كان مقدارا قارا كالجسم والخط أو غير قار كالزمان . وثانيهما ذاتي والقديم الذاتي هو ان لا يكون ذاته من حيث ذاته مفتقرا إلى غيره حتى يكون متأخرا عنه بالذات ، ولا ان يكون معه شيء اخر معيته بالذات حتى يتأخرا جميعا عن شيء ثالث تأخر بالذات ، فان المعية الذاتية بين شيئين هو ان لا يمكن انفكاك أحدهما نظرا إلى ذاته عن صاحبه ، وهذا المعنى يستلزم ان يكون كلاهما معلولي علة واحدة ، فان الذاتين إذا لم يكن بينهما علاقة ذاتية افتقارية بان يكون أحدهما سببا للأخرى أو يكونا جميعا مسببين عن ثالث موجب لهما ، فيجوز عند العقل انفكاك كل منهما عن صاحبه فكانت مصاحبتهما لا بالذات بل بالاتفاق في زمان أو نحوه . فالحق تعالى إذ هو به مبدأ « 1 » كل شيء كان الزمان مخلوقا متأخرا عنه فلم يكن قديما بالزمان فهو قديم بالذات ، لان ذاته غير متعلق بشيء فلا شيء قبله قبلية بالذات ولا معه معية بالذات لما علمت ، وإذ كل ما سواه مفتقر الذات إليه فيكون متأخرا عنه فيكون حادثا ، لان كل معلول مسبب فله عن ماهيته ان ليس وله عن علته وسببه ان ايس ، فكل ما سواه ايس بعد ليس ليسية ذاتية ، فكل ما سواه متأخرة عنه تعالى بالذات . فباقرار العامة : ان اللّه قديم ، بان لنا عند التفتيش معجزة هذه الصفة اي اعجازها لمن زعم أن شيئا قبله تعالى أو معه ، لأنه لو كان معه شيء لم يكن اللّه سببا موجدا له بل يلزم ان يكون ثالث موجدا لهما ، ولو كان قبله شيء لكان ذلك القبل خالقا والخالق مخلوقا له . فقول القائل : العالم قديم ، باطل محض ، لأنه ان أراد به انه قديم بالذات فهو يناقض كونه عالما مفتقرا إلى غيره ، وان أراد ان ذاته مع ذات البارئ فحيث ذات البارئ لم يكن له
--> ( 1 ) - إذ هو مبدأ - م - د .